الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

317

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المتواصل البديع ، عندئذ تتكشف لك هذه الحقيقة ، وهي أن علوما من هذا القبيل لن تكون يوما في متناول يد الإنسان . إن سقوط الورقة - في الحقيقة - هو لحظة موتها ، بينما سقوط البذرة في مكمنها من الأرض هو لحظة بدء حياتها ، وما من أحد غير الله يعلم بنظام هذا الموت وهذه الحياة ، وحتى أن كل خطوة تخطوها البذرة نحو حياتها وانبعاثها وتكاملها خلال اللحظات والساعات ، جلية في علم الله . إن لهذا الموضوع أثرا " فلسفيا " وآخر " تربويا " : أما أثره الفلسفي ، فينفي رأي الذين يحصرون علم الله بالكليات ، ويعتقدون أنه لا يعلم عن الجزئيات شيئا ، وفي الآية هنا تأكيد على أن الله يعلم الكليات والجزئيات كلها . أما أثره التربوي فواضح ، لأن الإيمان بهذا العلم الواسع لله يقول للإنسان : إن جميع أسرار وجودك ، وأعمالك ، وأقوالك ونياتك ، وأفكارك كلها بينة أمام الله ، فإذا آمن الإنسان حقا بهذا ، فكيف يمكن له أن لا يكون رقيبا على نفسه ويسيطر على أعماله وأقواله ونياته ! وفي ختام الآية يقول تعالى : ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . تبين هذه العبارة القصيرة سعة علم الله اللامحدود وإحاطته بكل الكائنات بدون أي استثناء ، إذ أن " الرطب " و " اليابس " لا يقصد بهما المعنى اللغوي ، بل هما كناية عن الشمول والعمومية . وللمفسرين آراء متعددة في معنى : " كتاب مبين " ، ولكن الأقوى أنه كناية عن علم الله الواسع ، أي ان كل الموجودات مسجلة في علم الله اللامحدود ، كما أنه تفسر بكونه " اللوح المحفوظ " نفسه ، إذ لا يستبعد أن يكون اللوح المحفوظ هو صفحة علم الله . وثمة احتمال آخر عن معنى " كتاب مبين " وهو أنه عالم الخلق وسلسلة